أعاد طبيب الأعصاب الأمريكي أوستن بيرلماتر تسليط الضوء على أحد أبسط السلوكيات الصحية وأكثرها تأثيراً في الدماغ: المشي.
وفي حديث استند فيه إلى بيانات وبحوث حديثة نُشرت في "Times of India"، أوضح أن هذا النشاط اليومي البسيط يملك قدرة موثوقة على تحفيز نمو خلايا عصبية جديدة، وتعزيز الذاكرة، وإبطاء مسار التدهور المعرفي.
تنشيط الذاكرة بـ"تكوين الخلايا العصبية"
يؤكد بيرلماتر أن المشي يحفّز عملية تكوين الخلايا العصبية في مناطق مركزية للذاكرة، أبرزها الحُصين.
ففي تجربة امتدت عاماً كاملاً، ازداد حجم الحُصين عند بالغين مارسوا المشي المنتظم بنحو 2%، بينما سجلت مجموعة أخرى اقتصرت على تمارين التمدد انكماشاً طفيفاً في المنطقة نفسها.
وتشير هذه النتيجة إلى دور المشي في دعم قدرة الدماغ على تخزين الذكريات واسترجاعها، وفي مقاومة التراجع المرتبط بالعمر أو بأمراض مثل الزهايمر.
الحركة منبّه عصبي دائم
يرى بيرلماتر أن تحريك الجسم يرسل للدماغ إشارة واضحة مفادها أن الفرد متفاعل مع محيطه، هذا "التنبيه البيولوجي"يعزز يقظة الخلايا العصبية وترابطها. كما يرفع المشي تدفق الدم والأوكسجين إلى أنسجة الدماغ، ويدعم إفراز جزيئات مهمة مثل BDNF، الذي يعمل عامل تغذية يساهم في بقاء الخلايا العصبية وتحسين أدائها.
دعم القلب.. ودعم الذاكرة
إضافة إلى أثره العصبي، يُعد المشي وسيلة مباشرة لتنشيط القلب من دون معدات أو ترتيبات معقدة.
ويشير بيرلماتر إلى أن جلسات قصيرة ومنتظمة كافية لتحسين الأنظمة الحيوية المرتبطة بوظائف الدماغ، بدءاً من المناعة، وصولاً إلى اللدونة العصبية وقدرة الدماغ على إعادة تشكيل الشبكات العصبية.
حماية بعيدة المدى من التدهور المعرفي
توضح الدراسات التي استشهد بها بيرلماتر أن المشي المنتظم يرتبط بأحجام دماغية أكبر وبمستويات أعلى من BDNF، وهذا يؤثر بانخفاض احتمال الإصابة بالخرف بأنواعه.
كما أظهرت عينات بحثية أن الأشخاص الذين يحافظون على عادة المشي يتمتعون بقدرة أفضل على التركيز وحل المشكلات مع التقدم في العمر.
استراتيجية "غير دوائية" لتحسين جودة الحياة
يشدد بيرلماتر على أن المشي يمثل نهجاً يومياً فعالاً للحفاظ على الاستقلالية ونوعية الحياة.
فالحركة المستمرة تقلل الالتهاب وتعزز صمود أنسجة الدماغ، وهذا يجعله خياراً وقائياً مهماً بعيداً عن التدخلات الدوائية.
توصيات روتين المشي
يوصي الطبيب بما يأتي:
- 30 دقيقة يومياً في معظم أيام الأسبوع.
يمكن تقسيمها إلى جلستين من 15 دقيقة عند الحاجة.
- الحفاظ على شدة خفيفة–متوسطة: يمكن التحدث في أثناء المشي، ولكن يصعب الغناء.
- اختيار أماكن آمنة ومفتوحة، ويفضل الهواء الطلق للاستفادة من ضوء الشمس وفيتامين D.
- ارتداء حذاء مناسب لتجنب الألم والإصابات.
- التزام بعيد المدى لضمان استمرار الإشارات التي تعزز نمو الخلايا العصبية.
وبحسب بيرلماتر، فإن قوة هذا التمرين تكمن في بساطته، وقدرته على إعادة تشكيل الدماغ تدريجياً وبثبات خطوة بعد خطوة.


