تكشف دراسة علمية حديثة ملامح تحوّل محتمل في طريقة علاج الأمراض المعدية، بالربط المباشر بين فعالية العلاج والعمر، في خطوة قد تعيد رسم خريطة استخدام المضادات الحيوية عالميًا.
اختلاف الاستجابة المناعية بين الصغار والكبار
وأظهرت الدراسة، التي أجراها معهد سالك للأبحاث البيولوجية ونُشرت في مجلة "Nature"، أن الأجسام لا تتعامل مع العدوى بالطريقة نفسها في المراحل العمرية المختلفة. فحتى عند الإصابة بالمرض نفسه، تتباين آليات التحمّل والاستجابة المناعية بين الصغار وكبار السن تبايناً لافتاً.
ووفق ما نقله موقع Medical" "Xpress المتخصص، فإن النجاة من العدوى لا تعتمد فقط على القضاء على البكتيريا أو الفيروس؛ بل على قدرة الجسم على ضبط رد فعله المناعي ومنع تحوّله إلى عامل تدمير ذاتي للأعضاء والأنسجة، وهي عملية تُعرف علميًا بـ"تحمّل المرض".
تعفن الدم هو الأخطر
اعتمد الباحثون على نموذج الإنتان، أو تعفّن الدم، وهو من أخطر الحالات الطبية الناتجة عن استجابة مناعية مفرطة قد تقود إلى فشل متعدد في الأعضاء.
وبتجارب أُجريت على فئران صغيرة وأخرى متقدمة في العمر، تبيّن أن مسار المرض وسبل النجاة يختلفان جذريًا بين الفئتين.
بروتين واحد.. نتائج متعاكسة
في الفئران الصغيرة، أدى بروتين يُعرف باسم "FOXO1"، إلى جانب الجين المرتبط به "Trim63"، دورًا وقائيًا مهمًا؛ إذ إنه ساعد في حماية القلب وتقليل احتمالات فشل الأعضاء.
لكن الصورة انقلبت عند الفئران الأكبر سنًا؛ إذ ساهمت الآلية نفسها في تفاقم الضرر وارتفاع معدلات الوفاة.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن تعطيل بروتين "FOXO1" حسّن فرص نجاة الفئران المسنّة، بينما أدى إلى نتائج عكسية عند الفئران الصغيرة، وهذا يبرز خطورة تطبيق علاج موحّد على جميع الأعمار.
أزمة المقاومة تدفع نحو بدائل جديدة
تأتي هذه النتائج في وقت تتصاعد فيه أزمة مقاومة المضادات الحيوية، التي صنّفتها منظمة الصحة العالمية ضمن أخطر 10 تهديدات للصحة العالمية.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن الوفيات المرتبطة بمقاومة المضادات تفوق تلك الناتجة عن الإيدز والسل والملاريا مجتمعة.
وتقول الباحثة الرئيسية في الدراسة، جانيل آيرز، أستاذة الأحياء في معهد سالك، إن كثيرًا من المرضى ينجحون في القضاء على الميكروب، لكنهم يفقدون حياتهم بسبب الضرر الذي تُحدثه الاستجابة المناعية نفسها، عادّة أن فهم آليات تحمّل المرض قد يفتح الباب أمام علاجات أكثر دقة وأقل اعتمادًا على المضادات الحيوية التقليدية.
علاج مخصّص بحسب العمر
ترى الدراسة أن استهداف آليات تحمّل المرض قد يشكّل بديلًا واعدًا عن المضادات الحيوية أو الأدوية المثبطة للمناعة، التي قد تأتي متأخرة أو تضعف دفاعات الجسم إضعافاً مفرطاً.
كما يلمّح الباحثون إلى إمكانية تطوير علاجات مصممة وفق الفئة العمرية، ليس فقط للإنتان؛ بل لطيف واسع من الأمراض المعدية والمناعية.
وبحسب الباحثين، فإن هذا النهج قد يقود إلى علاجات "ذكية" يصعب على الميكروبات تطوير مقاومة ضدها، وهذا يمنح الطب الحديث أداة جديدة في معركة طويلة ضد البكتيريا المقاومة.


