لا يتوقف أثر العناق الدافئ عند حدود الراحة النفسية أو المشاعر الحميمة، بل يمتد عميقًا إلى دوائر الدماغ التي تُشكّل وعينا بأجسادنا وإحساسنا بذواتنا.
فبحسب أبحاث علمية حديثة، يلعب الإحساس بالحرارة دورًا محوريًا في تعزيز ما يُعرف بـ"ملكية الجسد"، أي شعور الإنسان بأن جسده جزء أصيل من هويته النفسية.
ووفق مراجعة علمية أوردها موقع "ScienceDaily"، توصل فريق بحثي من جامعة كوين ماري في لندن بالتعاون مع جامعة بافيا الإيطالية إلى أن الدماغ لا يتعامل مع الدفء والبرودة كإحساسات جسدية عابرة، بل كإشارات عصبية عميقة تسهم في تنظيم المشاعر وبناء الوعي الذاتي.
الإحساس الحراري… حاسة قديمة بجذور نفسية
تشير الدراسة إلى أن "الإحساس الحراري" (Thermoception) يُعد من أقدم الحواس لدى الإنسان.
فمنذ المراحل الأولى للحياة، يرتبط الدفء بالحماية والرعاية، بدءًا من وجود الجنين في رحم الأم، مرورًا بالتلامس الجسدي في الطفولة.
يترك هذا الارتباط المبكر بصمة عصبية طويلة الأمد، تجعل الدفء لاحقًا رمزًا للأمان والانتماء.
وتوضح الباحثة الرئيسية في الدراسة، الدكتورة لورا كروتشانيلي، أن الدماغ يفسّر الدفء كإشارة إيجابية تعزز الإحساس بالحضور الجسدي، ما ينعكس مباشرة على التوازن العاطفي والشعور بالاستقرار النفسي.
عندما يختل الإحساس بالجسد
تلفت النتائج إلى أن اضطرابات الإحساس بالحرارة قد تكون مرتبطة بحالات نفسية وعصبية معقّدة، مثل الاكتئاب، واضطرابات القلق، والصدمات النفسية، واضطرابات الأكل، إضافة إلى بعض الحالات الناتجة عن السكتات الدماغية.
ففي مثل هذه الحالات، قد يعاني المصابون شعورًا بالانفصال عن الجسد أو ضعف الإحساس بملكيته.
ويرجّح الباحثون أن الخلل في استقبال الإشارات الحرارية أو تفسيرها قد يكون عاملًا مساهمًا في هذا الانفصال، ما يفتح بابًا جديدًا لفهم جذور بعض الاضطرابات النفسية من زاوية حسّية عصبية.
آفاق علاجية وتطبيقات مستقبلية
لا تقتصر أهمية هذه النتائج على الجانب النظري، إذ تشير إلى إمكان تطوير أساليب علاج نفسي تعتمد على التحفيز الحسي، لا سيما اللمس والحرارة، لتحسين تنظيم المشاعر وتعزيز الوعي الجسدي.
كما قد تُسهم هذه المعارف في تصميم أطراف صناعية أكثر تطورًا، قادرة على نقل إحساس حراري قريب من الإحساس الطبيعي.
وفي سياق أوسع، يطرح الباحثون تساؤلات حول تأثير التغيرات المناخية والتعرّض لدرجات حرارة قصوى على الصحة النفسية والإدراك الذاتي، في عالم يشهد تقلبات مناخية متسارعة.
لغة الدفء بين الجسد والدماغ
علميًا، يُنشّط العناق الدافئ مسارات عصبية تنقل الإشارات إلى مناطق في الدماغ مسؤولة عن الوعي الداخلي وتنظيم الانفعالات، كما يرتبط بإفراز هرمون الأوكسيتوسين، المعروف بدوره في تعزيز الروابط الاجتماعية وخفض مستويات التوتر.
وبحسب الدراسة، تفسّر هذه العملية العصبية سبب الشعور العميق بالطمأنينة الذي يمنحه العناق، وقدرته على إعادة الإنسان إلى حالة من التوازن والاتصال بذاته وبالآخرين.


