كشفت تجربة علمية جريئة عن ثغرة مقلقة في عالم المعرفة الرقمية، بعد ما نجحت باحثة في اختلاق مرض وهمي لم يكن هدفه سوى اختبار صلابة المنظومة العلمية، قبل أن يتحول إلى مثال حي على هشاشة التحقق في عصر السرعة.
المرض المزيف يرتدي معطف المختبر
بدأت القصة عندما صممت الباحثة ألميرا عثمانوفيتش تونستروم مرضاً خيالياً باسم "بيكسونيمانيا"، ثم منحته مظهراً علمياً متكاملاً. ففي 15آذار/ مارس 2024، نشرت أولى الإشارات عنه في منصة "ميديوم"، قبل أن يظهر لاحقاً في دراستين أوليتين على شبكة "SciProfiles "الأكاديمية في نيسان/ أبريل وأيار/مايو من العام نفسه.
ولتعزيز الحبكة، نسبت الأبحاث إلى عالم وهمي يحمل اسماً معقداً "لازليف إيزغوبليينوفيتش"؛ بل تم توليد صورته باستخدام الذكاء الاصطناعي.
ولم تتوقف عند هذا الحد؛ بل زرعت داخل تلك الأوراق إشارات ساخرة تكشف زيفها، لمن يقرأ بعين ناقدة،
جامعة خيالية، مدينة غير موجودة، شكر لأكاديمية "ستار فليت" المستوحاة من الخيال العلمي، وحتى عبارات صريحة تؤكد أن الدراسة "مختلقة تماماً".
وعلى الرغم من هذه اللافتات الواضحة، بدا أن "المعطف الأبيض" الذي ألبسته الباحثة لمرضها كان كافياً لخداع الكثيرين.
من خدعة إلى "حقيقة" رقمية
المثير أن "بيكسونيمانيا" لم تبقَ حبيسة التجربة؛ بل تسللت بسرعة إلى إجابات بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي، التي تعاملت معها بصفتها حالة طبية نادرة. وفي نيسان/أبريل 2024، بدأت تلك الأنظمة تقدم توصيات طبية مرتبطة بها، مثل مراجعة طبيب عيون وتقليل التعرض للشاشات.
هنا، تحولت الخدعة إلى كائن رقمي يتكاثر، ينتقل من منصة إلى أخرى، ويتغذى على الثقة العمياء في المعلومة المكتوبة بلغة علمية.
الصدمة الكبرى.. حين يخطئ الباحث
لكن المفاجأة التي قلبت التجربة رأساً على عقب، لم تكن في استجابة الذكاء الاصطناعي؛ بل في تسلل المرض الوهمي إلى بحث علمي حقيقي؛ إذ استشهدت دراسة منشورة في مجلة "كيوريوس" بهذه الحالة، قبل أن يتم سحبها لاحقاً بعد انكشاف الحقيقة.
فتح هذا التطور باباً واسعاً للجدل داخل الأوساط العلمية: هل كانت التجربة درساً ضرورياً لكشف مكامن الخلل؛ أم أنها ساهمت فعلياً في تلويث المحتوى العلمي بمعلومات مضللة؟
خطيئة علمية تتجاوز الذكاء الاصطناعي
في خضم هذا الجدل، برزت زاوية أكثر خطورة، تتعلق بسلوك بعض الباحثين أنفسهم؛ إذ ترى الدكتورة نجوى البدري، مديرة مركز التميز للخلايا الجذعية والطب التجديدي في مدينة زويل، أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الذكاء الاصطناعي بقدر ما تكمن في طريقة تعامل الباحثين مع المعلومات.
وتوضح أن اعتماد بعض الباحثين على ما يُنشر من دون تدقيق يظهر خللاً في تطبيق قواعد البحث العلمي، التي تفرض التحقق من مصدر الدراسة، وقيمتها، ومدى موثوقية الباحث، خاصة عند الحديث عن اكتشافات جديدة.
وتضيف أن الاستشهاد بأبحاث لم تخضع لمراجعة الأقران، كما حدث في هذه الحالة، يُعد خطأً جوهرياً؛ إذ إن هذه الدراسات لا تحمل وزناً علمياً حقيقياً؛ بل قد تكون أقرب إلى منشورات غير موثوقة في الإنترنت.
حين يصبح الوهم أكثر إقناعاً من الحقيقة
تكشف "بيكسونيمانيا" عن مشهد معقد؛ إذ يمكن لمعلومة مختلقة، إذا صيغت بذكاء وارتدت لغة العلم، أن تتسلل بهدوء إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، ثم إلى عقول المستخدمين؛ بل وحتى إلى بعض الأبحاث.
وفي عالم تتدفق فيه المعلومات بلا توقف، يبدو أن الخطر لم يعد في نقص المعرفة؛ بل في صعوبة التمييز بين الحقيقي والمصطنع؛ إذ قد يكفي "اسم علمي أنيق" و"ورقة بحثية منسقة" ليولد وهم جديد، يعيش بيننا كأنه حقيقة.


