بعد عام على التحول السياسي والإداري، لا يزال الاقتصاد السوري يقف في منطقة رمادية، بين خطاب رسمي يتحدث عن اقتصاد السوق الحر، وواقع اقتصادي يصفه خبراء بالانتقالي الهش، في ظل عقوبات مستمرة، وضعف في الإنتاج، وغياب رؤية اقتصادية متكاملة.
في هذا السياق، ناقش برنامج "إلى أين" عبر منصة "هاشتاغ" حصيلة عام من التغيير الاقتصادي، بمشاركة ثلاثة خبراء اقتصاديين قدّموا قراءات متباينة، لكنها تلتقي عند تشخيص واحد: الاقتصاد لم يغادر بعد مرحلة الانتظار.
علي محمد: اقتصاد السوق الحر أُعلن لكن التطبيق ما زال معلقاً
يرى الخبير الاقتصادي علي محمد أنّ السمة الأبرز للاقتصاد السوري خلال العام الماضي كانت الإعلان الرسمي عن تبنّي اقتصاد السوق الحر، وهو تحوّل شمل معظم القطاعات، لكنه بقي – بحسب توصيفه – في الإطار التشريعي أكثر منه في الواقع التنفيذي.
ويشير محمد إلى أنّ الحكومة ركّزت خلال الأشهر الماضية على تعديل بعض القوانين الاقتصادية، وفي مقدمتها قانون الاستثمار الذي وصفه بأنه “جاذب نظرياً” للاستثمارات العربية والأجنبية، إضافة إلى خطوات في السياسة النقدية، أبرزها إعلان مصرف سوريا المركزي اعتماد نظام التعويم المدار لسعر الصرف.
لكن، وبرغم هذه الإجراءات، يؤكد محمد أنّ مؤشرات الاقتصاد الكلي لم تشهد تحسناً حقيقياً، لافتاً إلى أنّ النمو المتوقع حتى نهاية 2025 لا يتجاوز 1%، ما يعكس استمرار حالة الركود.
ويضيف أنّ مذكرات التفاهم الاستثمارية التي وُقّعت خلال العام تمثل فرصة مهمة، لكنها بقيت معلّقة بانتظار رفع العقوبات، وعلى رأسها قانون "قيصر"، معتبراً أن المرحلة الحالية "انتقالية وصعبة اقتصادياً".
وحول قدرة مصرف سوريا المركزي على استعادة الثقة بالليرة السورية، يوضح محمد أنّ أدوات المركزي محدودة في ظل ضعف الاحتياطي الأجنبي، وعجز الميزان التجاري، وانخفاض الصادرات.
ويرى أنّ التعويم المدار يحتاج إلى مقومات غير متوفرة حالياً، أبرزها القدرة على التدخل الفعّال في السوق، معتبراً أنّ المركزي ركّز خلال العام الماضي على الالتزام بالمعايير الدولية، لا سيما المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، تمهيداً للمرحلة المقبلة.
أما فيما يخص تغيير العملة السورية، فيؤكد محمد أنّ الأثر سيكون رمزياً وسياسياً أكثر منه اقتصادياً، مشدداً على أنّ أي فائدة اقتصادية حقيقية مرهونة بإصلاحات هيكلية شاملة، وتنشيط الجهاز الإنتاجي، وضبط السياسة المالية، ومنع التمويل بالعجز.
عمار يوسف: لا هوية اقتصادية والقرارات زادت الفوضى
يقدّم الخبير الاقتصادي الدكتور عمار يوسف قراءة أكثر حدّة، معتبراً أنّ الحديث عن نجاح الحكومة في إعادة تعريف هوية الاقتصاد السوري خلال عام واحد "ضرب من الخيال".
ويقول يوسف إنّ الاقتصاد السوري غير واضح المعالم منذ عقود، ولم يجرِ حتى اليوم تحديد ما إذا كان اقتصاداً حراً أو مقيداً أو سوقاً اجتماعياً، مضيفاً أنّ الحكومة لم تطرح رؤية اقتصادية واضحة خلال أول 100 يوم، وهو ما يُعد مؤشراً سلبياً.
وينتقد يوسف بشدة السماح الواسع باستيراد السيارات، معتبراً أنّه أدى إلى استنزاف مليارات الدولارات من القطع الأجنبي دون أي أثر تنموي، واصفاً القرار بأنه “كارثي اقتصادياً”.
كما يشير إلى أنّ سياسات حبس السيولة، وتعدد الجمارك بين المحافظات، والدولرة الواسعة للأسعار، تتناقض تماماً مع مفهوم اقتصاد السوق الحر، مؤكداً أنّ الفقير ازداد فقراً، وأن الرواتب لم تعد تغطي الحد الأدنى من المعيشة.
وحول ملف إعادة الإعمار، يوضح يوسف أنّ الحديث عنه ما يزال نظرياً، في ظل خسائر تقدّر بنحو 1.2 تريليون دولار، واستمرار العقوبات، وغياب التحويلات المصرفية الفعلية رغم العودة الشكلية إلى نظام “سويفت”.
ويشدد على أنّ إعادة الإعمار تتطلب أمناً اقتصادياً حقيقياً، يبدأ بتثبيت سعر الصرف، وتأمين انسيابية الأموال، وخفض تكاليف الطاقة، ورفع القيود القانونية، محذّراً من أنّ استمرار الوضع الحالي يعني "أجيالاً من الكلام دون فعل".
أيهم أسد: الاقتصاد تعرّض لصدمة تحرير غير مدروسة
الأكاديمي والباحث الاقتصادي الدكتور أيهم أسد، يرى أنّ عام 2025 شهد صدمة تحرير اقتصادية مزدوجة، داخلية وخارجية، تمثلت في تحرير التجارة، وفتح الحدود، وتحرير أسعار الطاقة، إلى جانب دولرة واسعة دون ضوابط.
ويعتبر أسد أنّ استمرار هذه الصدمة لعام كامل دون مراجعة يمثل خللاً في إدارة السياسات الاقتصادية، داعياً إلى إعادة ضبط السياسات النقدية والتجارية، خصوصاً ما يتعلق بالدولرة وحبس السيولة.
وحول الثقة بالليرة السورية، يؤكد أسد أنّ السماح بتداول العملات الأجنبية إلى جانب الليرة، وتسعير السلع والخدمات بالدولار، أسهم في إضعاف العملة الوطنية وإخراجها من دورها كملاذ نقدي.
ويشير إلى أنّ تحسناً نسبياً طرأ على أسعار بعض المواد الغذائية، لكنه يراه تحسناً جزئياً لا يعكس تعافياً اقتصادياً حقيقياً، بل نتيجة عوامل ظرفية تتعلق بالاستيراد لا بالإنتاج.


