حذّر المختص بالقانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان المعتصم الكيلاني من تصاعد خطاب الكراهية والتمييز الطائفي في سوريا، معتبراً أنّ هذا الخطاب يشكّل أحد أخطر التحديات التي تهدد السلم الأهلي، وقد يفتح الباب أمام صراعات أهلية جديدة تعيق أي مسار جاد لبناء السلام وإنجاح المرحلة الانتقالية.
وخلال حديثه في برنامج "إلى أين" عبر "هاشتاغ"، قال الكيلاني إنّ سوريا تعيش اليوم إرثاً ثقيلاً من الكراهية والانقسام، تراكم على مدى 54 عاماً من حكم استبدادي استخدم التمييز والطائفية كأدوات سياسية، وجرى توظيفها لاحقاً خلال سنوات النزاع لتحويل الصراع من حراك شعبي إلى نزاعات طائفية في بعض المناطق.
إرث النظام وصناعة الانقسام
يرى الكيلاني أنّ النظام السابق أسّس لخطاب تمييزي ممنهج، وأشرك المكونات السورية في مواجهة بعضها البعض، ما أدى إلى تشويه النسيج الاجتماعي، مشيراً إلى أنّ هذا الإرث لا يمكن تفكيكه بقرارات سريعة أو شعارات عامة.
ويؤكد أنّ تصاعد خطاب الكراهية اليوم لا يقتصر على فئة أو منطقة، بل بات ظاهرة متنامية تهدد الاستقرار المجتمعي، خصوصاً في ظل غياب خطاب بديل جامع، وانتشار لغة التحريض والتصنيف الطائفي على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
غياب الخطاب البديل.. المشكلة الأعمق
يشدّد الكيلاني على أنّ الخطر لا يكمن فقط في انتشار خطاب الكراهية، بل في غياب خطاب وطني بديل قادر على الاحتواء، يقوم على احترام الحساسية المجتمعية، ويؤسس لرؤية مشتركة لسوريا المستقبل.
ويقول إنّ الخطاب البديل يجب أن يكون خطاباً وطنياً جامعاً، يعارض الإقصاء والتحريض، ويحترم حرية الرأي والتعبير دون الانزلاق إلى شيطنة المكونات أو استثارة الانقسامات، محذّراً من أنّ الكلمة في السياق السوري الحالي أصبحت مسؤولية أخلاقية ووطنية.
مسؤولية مشتركة.. ليست على عاتق الدولة وحدها
يحمّل الكيلاني مسؤولية مواجهة خطاب الكراهية لجميع الأطراف، بدءاً من الأفراد، مروراً بالمجتمع المدني، وصولاً إلى الإعلاميين والمؤثرين والجهات الرسمية.
ويؤكد أنّ الإعلاميين والعاملين في الشأن العام يمتلكون تأثيراً مضاعفاً بسبب حجم جمهورهم، ما يجعل أي كلمة غير محسوبة قادرة على إشعال موجات تحريض واسعة، داعياً إلى اعتماد مدونات سلوك واضحة تضبط الأداء الإعلامي دون تقييد الحريات.
التجريم القانوني.. ضرورة لا خيار
يعتبر الكيلاني أنّ غياب إطار قانوني واضح يجرّم التحريض الطائفي وخطاب الكراهية يشكّل ثغرة خطيرة، مشيراً إلى أنّ قانون الجرائم الإلكترونية الحالي لا يصلح لمعالجة هذه الظاهرة، كونه وُضع في سياق قمعي سابق ويحدّ من حرية التعبير.
ويشدد على ضرورة صياغة تشريع جديد يوازن بدقة بين حماية حرية الرأي والتعبير، وبين الحزم في مواجهة التحريض والتمييز، معتبراً أنّ هذا الخط الفاصل دقيق لكنه ممكن إذا توفرت الإرادة السياسية.
مدونة السلوك الإعلامي.. خطوة إيجابية مشروطة
حول التوجه لإصدار مدونة سلوك إعلامية، يرى الكيلاني أنّها خطوة إيجابية من حيث المبدأ، شرط ألا تتحول إلى أداة لتقييد الحريات، بل إلى إطار أخلاقي مهني يواجه خطاب الكراهية ويحاسب من يستخدم الإعلام للتحريض بحثاً عن “الترند” أو الشعبية.
ويؤكد أنّ وسائل التواصل الاجتماعي باتت عاملاً حاسماً في تشكيل الوعي العام، وأنّ تجاهل تأثير الكلمة الرقمية بات خطأً فادحاً في مرحلة شديدة الحساسية.
الإعلاميون والمؤثرون.. خط الدفاع الأول
يصف الكيلاني الإعلاميين والمؤثرين بأنهم في خط الدفاع الأول عن السلم الأهلي، محذّراً من أنّ أي تصريح غير مدروس قد ينسف جهود الاحتواء التي تبذلها الحكومة أو المجتمع المدني.
ويشير إلى أنّ كثيراً من مظاهر التحريض قد تصدر أحياناً دون قصد، لكنها تبقى ذات أثر بالغ، ما يستدعي وعياً مهنياً عالياً، ومراجعات حقيقية للسلوك الإعلامي خلال المرحلة المقبلة.
دروس من تجارب دولية
يستحضر الكيلاني تجارب دول خرجت من حروب أهلية، مثل رواندا، حيث جرى تجريم خطاب الكراهية بقوانين صارمة، ما أسهم في منع عودة التحريض بعد الحرب.
ويرى أنّ سوريا قادرة على الاستفادة من هذه التجارب، رغم صعوبة الواقع الحالي، مؤكداً أنّ الاستقرار الهش لا يصنع سلاماً دائماً، وأنّ تجاهل الكراهية قد يعيد البلاد إلى دوامة العنف.
الدولة الجديدة.. وعي مجتمعي وتشريع صارم
يؤكد الكيلاني أنّ بناء الدولة السورية الجديدة يتطلب عملاً مزدوجاً: تشريعات واضحة من جهة، ووعي مجتمعي من جهة أخرى، لافتاً إلى أنّ سقوط النظام رافقه انهيار مؤسساتي واسع، ما يضع مسؤولية مضاعفة على الحكومة في إعادة بناء المؤسسات وفق مبادئ الحكم الرشيد ومكافحة الفساد.
الدعم النفسي.. للكلمة ضحايا
يشير الكيلاني إلى أنّ خطاب الكراهية لا يخلّف أضراراً سياسية فقط، بل يترك آثاراً نفسية واجتماعية عميقة، داعياً إلى برامج دعم نفسي وإعادة تأهيل، لا للضحايا فقط، بل حتى للمحرّضين أنفسهم، باعتبارهم في كثير من الأحيان نتاج بيئات صادمة.
ويستشهد بتجارب في دول مثل سيراليون والكاميرون، حيث نجحت برامج إعادة التأهيل في الحد من العنف المجتمعي.
الذباب الإلكتروني والأجندات الخارجية
يحذّر الكيلاني من دور ما يُعرف بـ"الذباب الإلكتروني"، معتبراً أنه أداة توجيه وتحريض تخدم أجندات خارجية لا مصلحة لها في استقرار سوريا، مشيراً إلى أنّ كثيراً من "الترندات" المثيرة للفتنة تقف خلفها شبكات غير سورية.
ويؤكد أنّ الانسياق وراء الترندات لجمع التفاعل يشكّل خطراً حقيقياً، داعياً العاملين في الشأن العام إلى تحمّل مسؤولية الكلمة وعدم تحويلها إلى سلعة.
توصيف الخطر.. بداية الحل
يختم الكيلاني بالتأكيد على أنّ الاعتراف بوجود خطاب كراهية متفشٍ هو الخطوة الأولى نحو معالجته، مشدداً على دور الإعلام في توصيف الخطر بصدق، وطرح برامج توعوية توضّح تداعيات هذا الخطاب على مستقبل البلاد.
ويقول إنّ سوريا تمرّ اليوم بمرحلة مفصلية، وإنّ نجاح الانتقال السياسي مرهون بالقدرة على كبح الكراهية وبناء خطاب وطني جامع يحمي البلاد من الانزلاق إلى صراعات جديدة.


