هاشتاغ - متابعة
لم يكن اليوم الأول من زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى واشنطن مجرّد بروتوكول دبلوماسي. ما جرى بدا أشبه بعملية إعادة بناء شاملة للعلاقة الاستراتيجية بين البلدين، عبر رزمة اتفاقيات عسكرية وأمنية وتقنية واقتصادية، توحي بأن الإدارة الأميركية تعمل على تثبيت قواعد شراكة طويلة المدى، تتجاوز حدود التعاون التقليدي المعروف بين الرياض وواشنطن.
المؤشرات الأساسية ظهرت مباشرة من البيت الأبيض، الذي قدّم بنفسه قائمة الاتفاقيات، في إشارة واضحة إلى رغبة واشنطن في تثبيت الطابع "الرسمي-الرسمي" لهذه الخطوات، وعدم تركها لمجرد تسريبات أو بيانات مشتركة لاحقة.
تثبيت الشراكة الأمنية العليا
أبرزما كشفه البيت الأبيض كان توقيع اتفاقية الدفاع الاستراتيجي بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وولي العهد، وهي اتفاقية تُصنّف ضمن أعلى مستويات التعاون الدفاعي، وتفتح الباب لربط المنظومات الدفاعية السعودية بشكل وثيق بالاستراتيجية العسكرية الأميركية في المنطقة.
هذا المسار تعزّز بإعلان البيت الأبيض موافقة ترمب على صفقة مبيعات دفاعية ضخمة، تتضمن -وفق ما أُعلن- معدات متطورة، إضافة إلى اتفاق حول طائرات "إف-35"، وهو ما يشير إلى انتقال السعودية رسمياً إلى نادي الدول التي تحصل على أكثر الطائرات الهجومية تطوراً في العالم.
وبالتوازي، جرى الإعلان عن اتفاق لشراء نحو 300 دبابة أميركية، في خطوة تعكس محاولة تحديث شاملة للبنية القتالية البرية السعودية، بحسب مراقبين.
توسيع التحالف الاقتصادي-التجاري
لم تقتصر بنود الزيارة على الدفاع فقط. فقد أعلن البيت الأبيض أيضاً عن اتفاق بين واشنطن والرياض لتكثيف التعاون التجاري، في إطار يبدو مرتبطاً بإعادة هيكلة جزء من سلسلة التوريد الأميركية، خصوصاً في مجالات الطاقة، التكنولوجيا، والمعادن.
وفي هذا السياق، تم توقيع إطار عمل حول المعادن الحيوية، وهي خطوة ترتبط بشكل مباشر بالسباق العالمي على السيطرة على المواد الخام اللازمة للصناعات المتقدمة، من بطاريات السيارات الكهربائية وصولاً إلى الصناعات العسكرية.
دخول الرياض بثقلها في السباق التكنولوجي والنووي
واحدة من أكثر الإشارات حساسية كانت توقيع مذكرة تفاهم تاريخية بشأن الذكاء الاصطناعي، وهو ملف تتحرك فيه السعودية بقوة ضمن "رؤية 2030"، بينما تسعى واشنطن لضمان وضع حدود واضحة لأي تعاون تقني سعودي-صيني محتمل.
إلى جانب ذلك، تحدّث البيت الأبيض عن اتفاقية للتعاون النووي المدني، إضافة إلى إعلان مشترك حول الطاقة النووية المدنية، ما يضع ملف الطاقة النووية السعودية على الطاولة الأميركية بشكل مباشر، مع دفع واضح نحو إطار رقابي يضمن عدم خروج المشروع عن مساره المدني.
دلالات أوسع.. وعودة إلى "المعادلة القديمة" بصيغة جديدة
تشير هذه الاتفاقيات، بحجمها وتنوعها، تشير إلى لحظة مفصلية في العلاقة السعودية-الأميركية. فواشنطن تبدو في مرحلة إعادة تثبيت نفوذها في الشرق الأوسط عبر تحالفات طويلة الأمد، بينما تعمل الرياض على بناء قوة عسكرية-تقنية متقدمة تواكب طموحاتها الإقليمية.
اللافت أيضاً هو أن واشنطن اختارت الإعلان بنفسها وبشكل متتالٍ عن الاتفاقيات، في رسالة ضمنية تؤكد أن العلاقة مع السعودية لم تعد ملفاً إقليمياً ثانوياً، بل بنداً مركزياً في الحسابات الاستراتيجية الأميركية، من أمن الطاقة إلى سباق الذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى موازين القوى الإقليمية.
بهذه الصيغة، بدا اليوم الأول للزيارة وكأنه يؤسس لتوازن جديد بين الطرفين، تُمسك فيه الرياض بمفاتيح التكنولوجيا والسلاح والاستثمار، بينما تستعيد واشنطن مكانتها كضامن عسكري واستراتيجي—لكن ضمن قواعد أكثر مرونة من السابق.


