هاشتاغ - ترجمة
أشار تقرير مركز أبحاث إلى أن تركيا وإسرائيل تتبنيان رؤيتين متناقضتين جذرياً لسوريا ما بعد الأسد. فبينما "ترى أنقرة في سقوط النظام فرصة لتعزيز الاستقرار من خلال دولة سورية قوية ومركزية. في المقابل، تنظر إسرائيل إلى الحكومة الجديدة كتهديد استراتيجي، وتسعى لضمان بقاء سوريا ضعيفة ومشتتة."
وبحسب مركز "ستيمسون" للأبحاث، يُمثل هذا التباين جوهر الصراع التركي الإسرائيلي في سوريا.
يُضعف الضغط العسكري الإسرائيلي المستمر قدرة دمشق على الحكم
إسرائيل كعقبة رئيسية
من وجهة نظر أنقرة، هناك ثلاثة أطراف - تُقوّض الحكومة السورية الجديدة بشكل فعّال: "داعش"، وإيران، وإسرائيل. ومن بين هذه الأطراف، تُشكل إسرائيل، وفقاً لتركيا، أخطر تهديد للاستقرار السوري.
لقد أصبحت إسرائيل الفاعل العسكري الخارجي الرئيسي المُزعزع للاستقرار في سوريا. في الأشهر السبعة الأولى التي أعقبت سقوط الأسد، شنت إسرائيل حوالي 988 غارة جوية ومدفعية، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف عدد الغارات الجوية التي نفذتها خلال السنوات السبع السابقة، والتي بلغت 334 غارة، حين كان هدف إسرائيل الرئيسي في سوريا هو إيران.
وفي الوقت نفسه، وسّعت إسرائيل احتلالها في جنوب سوريا، وقدّمت دعماً مباشراً للميليشيات الدرزية التي تدعو علناً إلى الحكم الذاتي أو الاستقلال.
من وجهة نظر تركيا، يُضعف الضغط العسكري الإسرائيلي المستمر قدرة دمشق على الحكم، ويعزز التشرذم، ويُهدد بإعادة فتح المجال أمام الجماعات المتطرفة، بما فيها "داعش"، لإعادة تنظيم صفوفها.
وبعيداً عن العمليات العسكرية، تُروج وسائل الإعلام الموالية لإسرائيل باستمرار لروايات معادية لحكومة رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا،أحمد الشرع، ما يتعارض بشكل مباشر مع الجهود المبذولة لإعادة دمج دمشق في الأطر الدبلوماسية الإقليمية والدولية.
ولفت مركز الأبحاث إلى محاولة إسرائيل منع الاعتراف الدولي بحكومة الشرع ومنع تخفيف العقوبات، والتي فشلت نتيجة "جهود دبلوماسية كبيرة من تركيا والسعودية لإقناع إدارة ترامب".
من المخاوف الرئيسية لأنقرة أن السياسات الإسرائيلية تدعم النزعات الانفصالية داخل سوريا
تجنب الاشتباكات العسكرية التركية - الإسرائيلية
في البداية، خططت تركيا لإنشاء ثلاث قواعد عسكرية في وسط سوريا. وبعد أن قصفت إسرائيل المواقع المحددة، أوقفت أنقرة خطط الانتشار. وبوساطة أذربيجانية، اتفقت تركيا وإسرائيل على آلية لتجنب الاشتباكات العسكرية، نجحت في منع أي سوء تقدير.
وفقاً لـ "ستيمسون"، بالنسبة لأنقرة، هذه الآلية فنية بحتة، فهي إجراء احترازي محدود ضد الحوادث والاشتباكات غير المقصودة ولا تشير إلى تطبيع العلاقات أو تقارب أوسع في السياسة تجاه سوريا.
ويؤكد المسؤولون الأتراك أن التطبيع مع إسرائيل لا يزال مشروطاً بتنفيذ وقف دائم لإطلاق النار في غزة.
ومن المخاوف الرئيسية الأخرى لأنقرة أن السياسات الإسرائيلية تدعم النزعات الانفصالية داخل سوريا. إذ يُنظر إلى إسرائيل بشكل متزايد على أنها راع محتمل للانفصاليين الدروز، و"فلول نظام الأسد"، وقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، التي يهيمن عليها وحدات حماية الشعب الكردية (YPG)، وهي الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني (PKK) المصنف "إرهابياً"، وفقاً للتقرير.
ولا تزال "وحدات حماية الشعب" الكردية تشكل مصدر القلق الأمني الأكبر لأنقرة في سوريا.
توقّعت تركيا من قوات سوريا الديمقراطية تنفيذ اتفاقية 10 آذار/مارس 2025 لدمج قواتها مع الجيش السوري الجديد، إلا أن العملية توقفت.
ويعتقد مسؤولون أتراك أن الضربات الإسرائيلية على القصر الرئاسي ووزارة الدفاع في دمشق العام الماضي قد حسمت بشكل قاطع تردد قوات سوريا الديمقراطية في المضي قدماً.
في هذا السياق، فإن مسار أنقرة مع "حزب العمال الكردستاني"، الذي دعا زعيمه المسجون منذ فترة طويلة إلى نزع سلاح الجماعة، مرتبط بمصير اتفاقية 10 مارس/آذار في سوريا.
تبنّت تركيا استراتيجية ثلاثية المحاور لمعالجة التوترات المتصاعدة مع إسرائيل بشأن سوريا
تهديدات غير مباشرة لتركيا
كذلك، تشكل السياسات الإسرائيلية في سوريا مخاطر أخرى، وإن كانت غير مباشرة، على الأمن القومي التركي واستقراره الداخلي. وتتمثل المخاوف الأكثر إلحاحاً في عودة اللاجئين، فبدون استقرار مستدام في سوريا، ستتوقف عملية العودة الطوعية لأكثر من مليوني سوري ما زالوا في تركيا.
وثمة تهديد أعمق يتمثل في "حزب العمال الكردستاني". فعدم التوصل إلى حل لقضية قوات سوريا الديمقراطية في سوريا قد يُعرّض للخطر المفاوضات مع زعيم الحزب المسجون، عبد الله أوجلان، الذي دعا إلى نزع سلاح الحزب وحلّ نفسه.
وفي حال نجاح هذه العملية، فقد تُعيد تشكيل السياسة الداخلية التركية جذرياً، وتُعيد تموضع الدولة كحامية للحقوق الكردية، مما يُرسّخ إرث الرئيس رجب طيب أردوغان على المدى البعيد.
مع ذلك، طالما بقي اندماج قوات سوريا الديمقراطية في الدولة السورية مُجمّداً، فلن يتقدّم المسار الداخلي.
وتُعزو أنقرة هذا الجمود إلى حد كبير إلى الإجراءات الإسرائيلية، إذ تعتبر السياسة الإسرائيلية في سوريا تدخلاً مباشراً في الشؤون الداخلية التركية.
في حال فشل الاندماج في سوريا، تهدد تركيا بالتدخل العسكري المباشر ضد "قسد". في هذه الحالة، سيُمثّل أي عرقلة إسرائيلية خطاً أحمراً واضحاً بالنسبة لأنقرة، بحسب التقرير.
ورغم أن المسؤولين الأتراك يعتبرون هذا السيناريو غير مرجّح نظراً للقيود العملياتية للجيش الإسرائيلي، إلا أن هناك خطين أحمرين إضافيين: الاحتلال الإسرائيلي واسع النطاق لجنوب سوريا، وأي عمل يُهدّد بشكل مباشر بقاء حكومة الشرع.
نهج أنقرة المستقبلي
تبنّت تركيا استراتيجية ثلاثية المحاور لمعالجة التوترات المتصاعدة مع إسرائيل بشأن سوريا:
أولاً: شجّعت أنقرة دمشق على إقامة آلية أمنية مع إسرائيل، إيماناً منها بأنّ مثل هذا الترتيب قد يحفّز إسرائيل على تبنّي سلوك أكثر براغماتية. ولتيسير ذلك، تدعم تركيا الوساطة الأمريكية الفعّالة، وشجّعت سوريا على طلب نشر مراقبين عسكريين روس في جنوب سوريا. ولا تُمثّل الترتيبات العسكرية جنوب دمشق أهمية استراتيجية كبيرة لأنقرة.
ثانياً: تحوّلت تركيا نحو التدرّج. فبدلاً من إنشاء قواعد عسكرية بسرعة وإعادة هيكلة القوات المسلحة السورية، تمضي أنقرة في هذا التوجه بشكل تدريجي، مع وضع الأسس اللازمة لتحقيق هيمنة عسكرية سريعة في سوريا.
ثالثاً: تتوقع أنقرة تغييراً في إسرائيل نفسها. ويعتقد المسؤولون الأتراك أنّ الحوار قد يصبح ممكناً في ظلّ حكومة إسرائيلية مستقبلية.
وبالإضافةً إلى ذلك، ترى أنقرة أنّ تحقيق الاستقرار في غزة - ربما في إطار خطة ترامب - قد يُقلّل من التدخّل الإسرائيلي في سوريا.


