بعد نحو عام ونصف على الإطاحة بنظام بشار الأسد، عاد بالفعل عدد كبير من الأشخاص إلى سوريا، وتُظهر أرقام جديدة صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن 1.63 مليون سوري عادوا إلى وطنهم بحلول نهاية الشهر المنصرم، لكن عدد السوريين العائدين من ألمانيا لا يزال منخفضاً.
وتُدرج ألمانيا فقط ضمن فئة "دول أخرى"، والتي عاد منها ما يقارب 6100 شخص. وحسب المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (BAMF)، غادر 3678 لاجئاً سورياً ألمانيا العام الماضي.
يأتي ذلك وسط دعوات سياسيين ألمان إلى اتخاذ تدابير لتشجيع السوريين المقيمين في ألمانيا على المغادرة، ووسط دعوة المستشار الألماني فريدريش ميرتس أكثر من مرة إلى عودة السوريين المقيمين في ألمانيا.
ويلفت تقرير لـ "دويتشيه فيليه" إلى أنه مع وجود أكثر من 900 ألف سوري يعيشون في ألمانيا، يبرز التساؤل حول سبب قلة الراغبين في العودة إلى سوريا، موضحاً أن الأسباب وراء ذلك متعددة، منها الاندماج والتاريخ والوضع على أرض الواقع والأوضاع في دول أخرى.
معظم العائدين من دول الجوار
يكشف التدقيق في الإحصاءات عن أمر مهم، وهو أن الغالبية العظمى من الـ 1.63 مليون لاجئ عادوا من دول مجاورة مباشرة: 640 ألفا من تركيا، و630 ألفا من لبنان، ونحو 285 ألفا من الأردن.
وبحسب التقرير، يمثل هذا أكثر من 95% من العائدين. وبالتالي، لم تتحقق موجة عودة كبيرة من مناطق أخرى.
وإلى جانب القرب الجغرافي، يُفسر الوضع السياسي في الدول المجاورة سرعة عودة السوريين. فالوضع في لبنان مُحفوف بالمخاطر، إذ تشن إسرائيل حرباً هناك ضد "حزب الله" وتشن هجمات متكررة على المدن. يُضاف إلى ذلك أزمة اقتصادية حادة وفقر مدقع.
وفي تركيا أيضاً، توجد عوامل مهمة تُحفز السوريين على العودة إلى وطنهم. تجمعها زينب شاهين منجوتك، الباحثة في شؤون الهجرة بمركز بون الدولي لدراسات النزاعات في حوارها مع موقع t-online الألماني في: "ارتفاع التضخم والإيجارات وظروف العمل الاستغلالية". إضافة إلى أن تركيا تسهل عودتهم عبر العلاقات التجارية عبر الحدود، وبرامج الزيارة الخاصة، ونظام التأشيرات المُيسّر.
الاستقرار يمنع العودة
أما في ألمانيا، فإن العوامل التي تُحفز السوريين على العودة إلى وطنهم غير موجودة، إذ تُؤكد شاهين منجوتك أن "وضع السوريين أكثر استقراراً هناك، وثقتهم بالبلد المُضيف أكبر، وأملهم في الاستقرار ومستقبل آمن أقوى بكثير".
وتشير الخبيرة أيضاً إلى حالات ما بعد النزاعات السابقة، مثل العراق وكوسوفو، حيث لم يعد اللاجئون بأعداد كبيرة طالما لم تُطبّق إجراءات صارمة للغاية.
ويعيش الكثيرون في ألمانيا منذ أكثر من عشر سنوات، وقد بنوا لأنفسهم حياة مستقرة. ولذلك، تبقى الرغبة في العودة قوية خلال السنوات الثلاث الأولى، لكنها تتراجع تدريجيا مع مرور الوقت، كما توضح شاهين مينجوتك.
بالإضافة إلى اندماج الأطفال أيضاً في بيئة اجتماعية مستقرة في ألمانيا، تبين شاهين مينجوتك، أن العائدين لا يخفون اعتمادهم على مدخراتهم أو تحويلاتهم المالية من الخارج لتغطية نفقاتهم، مؤكدة "هذا الوضع غير مستدام".
الوضع في سوريا
إلى ذلك، يشدد التقرير على أنه وبالرغم من أن النظام الجديد يُعزز سلطته، وهناك العديد من التعهدات الدولية بالمساعدات، إلا أن الوضع على أرض الواقع في سوريا لا يزال صعباً: فالوضع الأمني غير مستقر، والظروف الاجتماعية والاقتصادية غير ثابتة.
تؤكد شاهين منجوتك أنه على الرغم من عدم وجود تهديد مباشر كما كان الحال العام الماضي، حين اشتبك مقاتلون بدو مع جماعات درزية في جنوب البلاد، ما أسفر عن مقتل أكثر من ألف شخص، إلا أن الجماعات المسلحة وعمليات الخطف والاشتباكات المتكررة بين مختلف الجماعات العرقية لا تزال قائمة.
وفي هذا السياق، يؤكد التقرير أن جزء كبير من السوريين في ألمانيا ينتمي إلى أقليات دينية وإثنية كالمسيحيين والأكراد، ولا يزال الوضع محفوفاً بالمخاطر بالنسبة لهذه الفئة تحديداً.
الحكومة والمجتمع السوري غير مستعدين لاستقبال أعداد كبيرة من العائدين
سوريا غير مستعدة
كذلك، وبحسب شاهين منجوتك، تفتقر سوريا إلى "القدرات المؤسسية والاقتصادية والبنية التحتية "اللازمة لاستيعاب عودة أعداد كبيرة من السوريين.
وتعتبر الخبيرة، أنه لا بد من توفير فرص عمل وتوفير الاحتياجات الأساسية كالرعاية الصحية والتعليم والطاقة والمياه. مع ذلك، لا تزال مناطق عديدة بعيدة عن تحقيق ذلك.
وتخلص الخبيرة إلى أن "الحكومة والمجتمع السوري غير مستعدين لاستقبال أعداد كبيرة من العائدين".
وتوضح شاهين منجوتك أنه على الرغم من عودة 1.63 مليون شخص بالفعل، إلا أن هذا العدد أقل من المتوقع، بالنظر إلى مرور 17 شهراً على تغيير النظام ووجود 6.2 مليون لاجئ سوري. كما أنها لا تتوقع موجة عودة كبيرة في المستقبل.
تشجيع العودة
بعد اجتماع مع الرئيس السوري أحمد الشرع، أكد المستشار الألماني أنهم ناقشا إعادة 80% من السوريين. كما أوضحت الحكومة الألمانية أن أسباب الحماية للعديد من اللاجئين السوريين قد زالت، من وجهة نظرها، مع انتهاء الحرب الأهلية.
وبالتالي، يُمكن للمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (بامف) الآن مراجعة أوضاع الأفراد. إلا أن ذلك لا يتم إلا بعد ارتكاب مخالفات، مثل رحلات العودة غير المصرح بها أو الجرائم الجنائية.
ونقلت صحيفة "فيلت أم زونتاغ" عن المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين قوله إنه لإجراءات إلغاء التأشيرة، من الضروري أن يكون "التغيير في الوضع في بلد المنشأ جوهرياً، وليس مؤقتاً فحسب، بل دائماً".
وشددت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على الطبيعة الطوعية للعودة. وقالت المتحدثة باسم المفوضية يوجين بيون لوكالة الأنباء الألمانية (د ب أ) في جنيف، إن كل عودة يجب أن تستند إلى قرار اللاجئين أنفسهم. ودعت إلى التحلي بالصبر حتى يتحسن الوضع على أرض الواقع، ويصبح "العودة الطوعية والآمنة والكريمة والمستدامة" ممكنة.


